أحمد بن محمد ابن عربشاه
414
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ثم اعلم يا ملكا أعظم أن الجمل الطويل الأمل ، قد اغتر بالملك حين كان في ذرى أمنه سلك ، وأحسن إليه غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء كالإنسان ، وحصل له من صورة غضبه الأمان ، فجهل قدره ، وتعدى طوره ، وقد قيل : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا فوضع النّدى في موضع السّيف بالعلى * مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدى وقال الله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 ] وكل نفس لا تحتمل الجميل وحوصلة العصفور لا تسع لقمة الفيل ، وناهيك ما قد قيل في الأقاويل عن حماقة كل طويل ، فلا جرم ، فسد دماغه حين حصل فراغه ، وتطاولت نفسه في مسراها إلى أشياء لا يمكن إفشاها ولا يتفوه بها مسلم ولا يرضاها ؛ لان ذكرها قبيح والكناية أبلغ من التصريح . فلما سمع الأسد هذا المقال علم ببديهة العقل أنه زور ومحال ، ثم أرسل إلى الغراب وذكر له هذا الخطاب ، ليميز خطأه من الصواب ، ويبين القشر من اللباب ، فلما أتى الغراب إلى حضرته وجلا صورة هذا القول على مرآة فكرته ، قال له : ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك ، فإنه حلال المشكلات موضح المعضلات ، وأما أنا فلا أسمع هذا الكلام ولا أقبل في الجمل الملام ، فإني أعرف تواضعه ومسكنته ، وصبره وطاعته ، وإخلاصه وقناعته ، وأنه صادق في محبته مخلص في عبوديته ، وأعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه ، وأنه مع ذلك مقيم على سنن وفائه وعقود عهوده وصفائه ، ولو أراد الذهاب لذهب بسلام ، ولا في وظيفته قيد ولا في ووتيرته خطام « 1 » .
--> ( 1 ) الخطام ، مفردها خطم : حبل يجعل في عنق البعير ويثنى في خطمه ، والوتيرة : جزء من الأنف .